ما بعد الهدنة : في دهاليز السلام المسموم وخريطة الشرق الأوسط الجديدة

رواها 360 عدن اسماعيل الصنوي

جاءت الهدنة المؤقتة بين واشنطن وطهران، التي أُعلنت قبل لحظات من انقضاء مهلة التهديد النهائي، ليس كفعل رغبة حقيقية في إنهاء الصراع، بل كاعتراف متبادل صامت بأن آلة الحرب قد استنفدت أهدافها المباشرة دون أن تحسم شيئاً. إنها لحظة انتقالية فارقة لا تقل خطورة عن اندلاع الحرب نفسها، لحظة تُطوى فيها صفحة الاشتباك العسكري المباشر لتُفتح صفحة جديدة تماماً عنوانها “إدارة الانهيار” أو “إعادة التموضع في الظل”. في إسلام آباد، حيث تجري المفاوضات برعاية وساطة باكستانية وضغط صيني خفي، لا يدور الحديث حقاً عن سلام عادل وشامل، بل عن ترتيب أوراق المنطقة على طاولة واقع جديد صنعته ستة أسابيع من النار. وما لم يُكتب في نصوص الهدنة الموجزة هو ما سيشكل جوهر المرحلة القادمة: حرب نفوذ شرسة تُخاض بالأدوات الدبلوماسية والاستخباراتية والاقتصادية، وحسابات ربح وخسارة تُجرى في عواصم القرار بعيداً عن ضجيج المدافع.

بالنسبة لواشنطن، تمثل الهدنة مخرجاً سياسياً بالغ التعقيد من مستنقع كانت تظن أنها قادرة على تجفيفه سريعاً. جلوس نائب الرئيس جيه.دي. فانس على رأس طاولة المفاوضات المباشرة مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل هو إعادة تعريف للمشكلة الأمريكية في الشرق الأوسط برمتها. الإدارة التي راهنت على الحسم السريع وجدت نفسها محاصرة بين مطرقة حليف إسرائيلي يطالب بحرب وجودية لا تريدها، وسندان اقتصاد عالمي يئن تحت وطأة أسعار طاقة ملتهبة جراء تعطيل مضيق هرمز. الهدنة أتاحت لواشنطن فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تجميع أوراقها، لكنها فتحت في الوقت نفسه جبهة جديدة داخل البيت الأبيض والكونغرس. فهناك من يراها انسحاباً مهيناً من وعيد “محو الحضارة الإيرانية”، وهناك من يراها خطوة واقعية نحو فك الارتباط الباهظ من منطقة تثبت كل أزمة فيها أن النفوذ الأمريكي لم يعد قادراً بمفرده على ضبط إيقاعها. التحدي الأكبر الذي يواجه فريقه التفاوضي لا يكمن في انتزاع تنازلات من طهران، بل في إدارة علاقته مع تل أبيب، التي أُبلغت بالهدنة ولم تُستشر، والتي ترد الآن بتحويل لبنان إلى صندوق بريد ملتهب للاعتراض على أي مسار لا يجعل تدمير البنية الإيرانية هدفاً نهائياً. هذه المعضلة تجعل من الهدنة بالنسبة لأمريكا مجرد غطاء مؤقت، وسلامها الحالي مسموماً بعدم الثقة بينها وبين أقرب حلفائها.
في المقابل، دخلت طهران مرحلة ما بعد الهدنة بخطاب النصر الأيديولوجي المعهود، لكنها في الغرف المغلقة تتحرك ببراغماتية مرعبة. بعد أن فقدت المرشد الأعلى في الضربات الأولى، أظهرت القيادة الإيرانية الجديدة قدرة لافتة على تحويل الخسائر الميدانية إلى مكاسب سياسية. لقد نجحت في ترجمة صمود بنيتها الصاروخية تحت الأرض إلى نفوذ تفاوضي حقيقي، وفرضت على واشنطن معادلة “لا سلام في الخليج دون سلام على جبهات المقاومة”. إن توقيت الهجوم الصاروخي والمسيّر الواسع على المنشآت النفطية في خمس دول خليجية، والذي تزامن مع الدقائق الأخيرة قبل سريان الهدنة، كان رسالة سياسية أكثر منها عسكرية. مضمون هذه الرسالة أن النظام الإيراني يملك مفاتيح إشعال المنطقة وإطفائها، وأن أمن الطاقة العالمي ليس رهينة للأساطيل الأمريكية وحدها، بل مرهون أيضاً بقرار طهران. هذا الوعي الجديد يمنح المفاوض الإيراني في إسلام آباد قوة دفع هائلة. فهو لا يسعى فقط إلى رفع العقوبات الاقتصادية التي تختنق بها البلاد، بل يسعى إلى إعادة تعريف الدور الإقليمي لإيران كقوة لا يمكن تجاوزها أو تدميرها. يدرك القادة الجدد في طهران أن استمرار الهدنة مرهون بقدرتهم على إبقاء إسرائيل في حالة إرباك دائم عبر حزب الله في لبنان، وفي الوقت نفسه، طمأنة دول الخليج إلى أن الأمان النفطي يمكن شراؤه باتفاقيات ثنائية تبعدها عن الفلك الاستراتيجي الأمريكي والإسرائيلي. إنها سياسة “العصا والجزرة” تمارسها طهران من موقع قوة نسبي، في مشهد إقليمي بات يعترف بأن تدمير إيران وهم استراتيجي لا يمكن تحمل تكاليفه.
أما إسرائيل، فتقف في مرحلة ما بعد الهدنة على حافة الهاوية السياسية والاستراتيجية. بالنسبة لنتنياهو وحكومته، لا تمثل هذه الهدنة مجرد وقف لإطلاق النار، بل تمثل طعنة في خاصرة العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي قامت على مبدأ الحسم السريع ومنع التهديد الوجودي. لقد راهن بكل ثقله السياسي على أن تكون هذه الحرب فرصة ذهبية لضرب المشروع النووي الإيراني وتفكيك قدرات حزب الله الصاروخية لمرة واحدة وإلى الأبد. وها هو يجد نفسه مهمشاً، يشاهد حليفه الأمريكي يتفاوض وجهاً لوجه مع العدو الذي وُصف بأنه لا يمكن التفاوض معه. الرد الإسرائيلي لم يتأخر، لكنه تحول إلى الجبهة اللبنانية حيث تشن الطائرات الإسرائيلية أعنف غاراتها ليس فقط لتدمير مخازن أسلحة الحزب، بل لنسف أسس الهدنة من جذورها. الهدف غير المعلن هو استدراج حزب الله إلى رد عنيف يعطي إسرائيل المبرر لمواصلة الحرب واتهام إيران بأنها لا تسيطر على وكلائها، وبالتالي إحراج الإدارة الأمريكية وإفشال مسار إسلام آباد. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر جسيمة؛ فهي تعزل إسرائيل دبلوماسياً وتصورها كطرف معرقل لأي حل سلمي حتى بين حلفائها الغربيين، كما أنها تفتح الباب لمواجهة استنزاف طويلة في لبنان قد لا تحسمها القوة الجوية وحدها. السؤال الذي يخيم على تل أبيب في هذه الأثناء ليس ما إذا كانت ستستطيع تدمير أنفاق حزب الله، بل ما إذا كانت حكومة نتنياهو ستنجو سياسياً من تبعات هذه “الهدنة المفروضة” التي يراها اليمين الإسرائيلي خيانة كبرى.
على المستوى الاقتصادي، خلفت الهدنة وراءها حالة من التفاؤل الحذر والمخاوف العميقة في آن واحد. انخفاض أسعار النفط من قمتها التي تجاوزت 118 دولاراً للبرميل إلى ما دون 100 دولار هو بمثابة جرعة أكسجين للاقتصاد العالمي المثقل بالتضخم، لكنه ليس إعلاناً لعودة الاستقرار. الأسواق المالية وشركات التأمين على الشحن البحري تتعامل مع هدوء مضيق هرمز الحالي على أنه مجرد “هدنة مؤقتة” في حرب طويلة الأمد. تكلفة التأمين على ناقلات النفط لا تزال أعلى بثلاثة أضعاف مما كانت عليه قبل الحرب، مما يعني أن “علاوة المخاطرة الجيوسياسية” أصبحت سمة دائمة في تسعير الطاقة العالمية. من ناحية أخرى، بدأت دول الخليج العربي، التي كانت البنية التحتية النفطية لبعضها هدفاً لصواريخ إيران، في تسريع خططها للاستقلالية الاقتصادية والأمنية بعيداً عن المظلة الأمريكية التي بدت مترددة في لحظة الذروة. تسريع العمل في خطوط الأنابيب البرية البديلة لمضيق هرمز، والحديث الجاد عن تشكيل قوة بحرية خليجية مشتركة لحماية الممرات المائية، كلها مؤشرات على أن ثمة وعياً خليجياً جديداً بأن الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعد خياراً استراتيجياً مضموناً. وهذا التحول، إذا ما ترسخ، سيغير عميقاً من معادلات النفوذ والثروة في المنطقة لعقود قادمة.
في هذا المشهد المعقد، لا تبدو الصورة مكتملة دون النظر إلى الدور الصاعد لقوى دولية تملأ الفراغ الذي خلّفته الحرب. لقد نجحت باكستان في استثمار وساطتها لترسيخ مكانتها كلاعب إقليمي لا غنى عنه، محولة عاصمتها إلى “جنيف الشرق” الجديدة التي تُعقد فيها صفقات المصير. أما الصين، التي ظلت طوال الحرب تلتزم خطاب الحياد وتستورد النفط الإيراني بأسعار تفضيلية، فهي تتحرك الآن بهدوء لتكون الرابح الأكبر. بكين لا تقدم نفسها كوسيط نزيه فحسب، بل كضامن اقتصادي بديل قادر على حماية طرق التجارة العالمية مقابل عقود طويلة الأجل بالعملة الصينية. هذه الاستراتيجية تستفيد من هشاشة الالتزام الأمريكي لتوسيع نفوذها بهدوء في قلب منطقة إنتاج الطاقة في العالم. في المحصلة، تقدم لنا مرحلة ما بعد الهدنة صورة قاتمة ولكنها واضحة المعالم: هذه ليست نهاية للحرب، بل مجرد تبديل لمسرح العمليات. ففي الوقت الذي يصمت فيه المدفع، تبدأ حرب أخرى أكثر دهاءً ومرونة، حرب تُخاض في أروقة المفاوضات، وفي حسابات أسعار النفط، وفي إعادة رسم تحالفات إقليمية جديدة لا تشبه شيئاً مما عهدناه من قبل. الشرق الأوسط الذي سيخرج من هذه الهدنة ليس الشرق الأوسط الذي دخلها، وسواء أطال أمد هذا “السلام المسموم” أم انهار سريعاً، فإنه سيكون قد زرع بذور نظام إقليمي جديد لا تعرف ملامحه النهائية إلا رياح السنوات القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى